Yahoo!

مشروع مذكرة مدعومة من الاتحاد الاوربي بشأن اصلاح القضاء بالمغرب

ديسمبر 29th, 2010 كتبها عبدالكريم عزي اسحاق المؤيد نشر في , تطوير القضاء المغربي, مشاريع تطوير القضاء

 

«مشروع مذكرة حول: اصلاح القضاء بالمغرب

تم اعداد المشروع الأولي لهذه المذكرة على اثر ندوة بالرباط حول اصلاح القضاة (دجنبر 2007) التي نظمتها جمعية عدالة بشراكة مع جمعية ترانسبارنسي المغرب والجمعية المغربية للدفاع عن استقلال القضاء والتي دعت اليها مختلف الفاعلين و اسفرت عن توصية بصياغة مذكرة في هذا الاتجاه. وقد تم اعداد المشروع الأولي للمذكرة من طرف اربعة اساتذة وهم رؤساء وامناء الجمعيات الثلاث، الاساتذة عبد اللطيف الحاتمي وعبد العزيز النويضي ورشيد الفيلالي مكناسي اضافةالى الاستاذ عبد العزيز بناني .
وبعد صياغتها تم التشاور بشأنها خلال شهر دجنبر 2008 مع المنظمات الحقوقية المغربية الرئيسية التي ارسلت اليها المذكرة لإبداء الرأي وتقديم الملاحظات قبل أن يتم اجتماع تداولي بشأنها في  اجتماع 27 دجنبر 2008 بالرباط والجمعيات المعنية هي جمعية هيئات المحامين بالمغرب العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان. الجمعية المغربية لحقوق الانسان، المنظمة المغربية لحقوق الانسان، الجمعية المغربية للدفاع عن استقلال القضاء جمعية عدالة، المرصد المغربي للسجون، الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة، منظمة العفو الدولية فرع المغرب، المنتدى المغربي من أ جل الحقيقة والإنصاف.

 وتجدر الإشارة الى أن «هذه المذكرة تم انجازها بدعم مالي من الاتحاد الاوربي في اطار الشراكة مع جمعية عدالة
وتأتي هذه المبادرة عل اثر تكثف الخطاب والتوصيات حول اصلاح القضاء بالمغرب من مؤسسات وهيئات وطنية (كجمعية هيئات المحامين بالمغرب) ودولية كالشبكة الاورومتوسطية لحقوق الانسان. وما ورد بالخطابات الملكية حول ضرورة إصلاح شامل متشاور بشأنه للقضاء حيث جاء في خطاب العرش 30 يوليوز 2007 «يتعين على الجميع التجدد لتحقيق اصلاح شمولي للقضاء لتعزيز استقلاله الذي نحن له ضامنون». وورد في خطاب افتتاح السنة التشريعية الاولى في 12أكتوبر 2007 «واننا لعازمون على الاعداد التشاوري الواسع والمتخصص لميثاق وطني مضبوط، للتغيير العميق والشامل للقضاء». وجاء في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2008 «تدعو حكومتنا للانكباب على بلورة مخطط مضبوط للاصلاح العميق للقضاء، ينبثق من حوار بناء وانفتاح واسع على جميع الفعاليات المؤهلة المعنية».  وما اوصت به هيئة الإنصاف والمصالحة (في تقريرها الختامي - نونبر 2005 ) الذي اخذ باغلب ما اوصت به المنظمات الحقوقية المغربية والدولية لتطوير وضعية حقوق الانسان في المغرب.
ان هذه المذكرة تستهدف توحيد منظور الحركة الحقوقية بالدرجة الاولي قصد حمل مساهمتها الضرورية لورش الاصلاح الكبير الذي يحتاجه القضاء وستتوجه المنظمات بمذكرتها هذه الى الاحزاب السياسية والنقابات وتنظيمات المجتمع المدني اضافة للمؤسسات الدستورية (الملك والبرلمان والحكومة) وكل الجهات المعنية باصلاح العدالة. كما سوف تترافع على ضوئها من أجل اصلاح شامل ومتشاور بشأنه.

 

 

 

 

القسم الأول

قبل عرض منظور الاصلاح و توصيات المنظمات تشخص المذكرة الوضع الذي تعتزم معالجته، وهكذا تحلل المذكرة ثغرات الاطار المعياري المرجعي لإصلاح القضاء، وحدود استقلال القضاء، ثم معوقات الجهات القضائي على مستوى سير المحاكم وفعالية القضاء. وعلى مستوى نقص الضمانات والمس بحقوق الدفاع. وأخيرا أوضاع السجون، وذلك قبل توجيه توصيات للاصلاح.

 

الفصل الاول
ثغرات الإطار المعياري المرجعي
لاستقلال القضاء

إن الإطار المرجعي الذي يجب الاستناد اليه في الاصلاح القضائي يتمثل من جهة في الاتفاقيات والمعايير الدولية التي صادق عليها المغرب او التي تمثل بطبيعتها قواعد عرفية في القانون الدولي، ومن جهة ثانية فإن الدستور المغربي يجب اعتماده كمرجعية مع ملاحظة أن المطالب والتوصيات تطاله بدوره حتى ينسجم مع المعايير الدولية أو يوفر ضمانات فعالة للحقوق والحريات ومن ضمنها استقلال القضاء.
أ - المغرب واتفاقيات حقوق الانسان

باستثناءات قليلة هامةفقد صادق المغرب على المعاهدات الاساسية المتعلقةبحقوق الانسان، غير ان هذا القبول يعاني من قيود لها علاقة بمكانة الاتفاقيات في الدستور المغربي وكذا بعدم قبول اختصاص اجهزةالاشراف على بعض الاتفاقيات في تلقي التبليغات الفردية.
المكانة الغامضة للاتفاقيات
الدولية في دستور 1996

ان المقتضيات الدستورية المتعلق بمكانة المعايير الدولية توجد في الديباجة وكذا ضمن الفصل 31 من الدستور المغربي 1996
وهكذا جاء في الديباجة أن المملكة المغربية تتشبث بحقوق الانسان كما هو متعارف عليها عالميا (نحن نسطر)
كما ان الملك من جهة قام بتصريح هام في رسالة و جهها الى الشعب المغربي سنة 1999 بمناسبة الذكرى الواحد والخمسين للاعلان العالمي لحقوق الانسان. (6)
غير ان القيمة القانونية الملزمة لهذا التأكيد بالنسبة للمشروع وللادارة والقاضي لاتزال غير مؤكدة.
بالنسبة للمشرع فمقتضيات الديباجة لا تفرض نفسها في غياب مراقبة قوية لدستورية القوانين تكون معززة بقضاء دستوري قادر على مراقبة القوانين التي تعرض عليه في اتجاه روح القاعدة الدولية، و الحالة ان هذين الشرطين لا يتوفران في الحالة المغربية.
كما ان ممارسة التوافق التشريعي يمكن أن يقود الى تبني قوانين غير دستورية (مخالفة للدستور كما يتجلى من تبني البرلمان في فبراير 2006 لقانون حول الاحزاب السياسية يغير نظام التصريح بنظام مقنع للترخيص يمنح لوزارة الداخلية سلطات غير عادية تمكنها من عرقلة تأسيس احزاب جديدة.
ومن جهة أخرى، فإن الاجتهاد القضائي للمجلس الدستوري المغربي يكشف عن قليل من الجرأة.فعندما اتيحت له الفرصة لابطال بعض القوانين استنادا الى المعايير الدولية لحقوق الانسان، اقتصر المجلس عموما على الاستناد الى بعض فصول الدستور ولم يرتكز على الديباجة حتى يعطيها قيمة دستورية ويعطي بالتالي للمعايير الدولية سموا وقيمة لاتقل عن قواعد الدستور.
وبالنسبة للادارة والسلطات التنفيذية وكذا القاضي العادي فإن الديباجة الدستورية لا يمكنها ان تتفوق على قانون جار به العمل اذا لم يقم المشرع بملاءمته مع القاعدة الدولية. ولا سيما ان الفصل 31 من الدستور لا يوضح تراتبية القواعد في حالة التنازع.
وهكذا بما انه لا يوجد في الدستور ما يؤكد سمو المعاهدات على القانون الداخلي فإن توضيحا دستوريا يفرض نفسه.
رفض اختصاص اجهزة الإشراف
في تلقي التبليغات الفردية

ان اختصاص اجهزة الاشراف على المعاهدات في تلقي التبليغات والشكاوي الفردية بشأن انتهاكات حقوق الانسان يعد مهما رغم الطابع غير القضائي لهذه الأجهزة، لانه يدفع السلطات العمومية الى الاخذ بجدية أكبر التزاماتها الدولية، كما يمكن من الوقوف عند نواقص وسائل الانتصاف الداخلية التي يمنحها النظام القضائي.
والحالة انه رغم الطلبات المتكررة للمنظمات غير الحكومية المغربية لحقوق الانسان فإن المغرب لم يصدق على البروتوكول الاختياري الاول المرتبط بالعهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية ولا على البروتوكول الخاص بالزيارات الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب او تلك الادوات الاخرى التي تعترف بنفس الاختصاص لمختلف أجهزة الاشراف.
وكان الاستثناء الوحيد هو قيام المغرب في 19 اكتوبر 2006 بالتصريح المنصوص عليه في المادة 22 من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تمكن لجنة مناهضة التعذيب من تلقي التبليغات الفردية (8).
ب) المقتضيات الدستورية.

ان الضمانات التي تهم استقلال القضاء توجد في الباب السابع من الدستور. وهي تقتصر على بعض الفصول التي ندرجها بكاملها:.
الفصل 82: »القضاء مستقل عن السلطة التنفيذية وعن السلطة التشريعية.
الفصل 83: تصدر الاحكام وتنفذ باسم الملك.
الفصل 84: يعين القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الاعلى للقضاء.
الفصل 85: لايعزل قضاة الاحكام ولاينقلون الا بمقتضى القانون.
الفصل 86: يرأس الملك المجلس الاعلى للقضاء. ويتألف هذا المجلس بالاضافة الى رئيسه من:
- وزير العدل بصفته نائبا للرئيس.
- الرئيس الاول للمجلس الاعلى
- الوكيل العام للملك لدى المجلس الاعلى.
- رئيس الغرفة الاولى في المجلس الاعلى.
- ممثلين اثنين لقضاة محاكم الاستئناف ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم.
- أربعة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم الفصل 87 .
يسهر المجلس الاعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم.
يلاحظ ان هذه الضمانات غير كافية. ذلك ان قانون 11 نونبر 1974 بمثابة النظام الاساسي للقضاء قد أفرغها من محتواها. فهذه الضمانات لايمكن تقييمها فعلا الا على ضوء القانون والممارسة..
ويمكن ان نلاحظ ايضا بأن اختصاصات الملك الدستورية المتعلقة بتعيين كبار الموظفين مدنيين وعسكريين تجعله يحتكر خارج رأي المجلس الاعلى للقضاء، التعيينات في المناصب القضائية العليا كمناصب الرئيس الاول للمجلس الاعلى والوكيل العام للملك لدى هذا المجلس..
كما يمكن للملك طبقا لقانون 8 اكتوبر 1977 ان يصدر عفوه على أي شخص خلال أي مرحلة من المسلسل القضائي، قبل المتابعة او خلال المحاكمة الجنائية او بعد صدور الحكم. ان امكانية العفو على شخص قبل او خلال المحاكمة يضع حدا للمسلسل القضائي قبل ان تتضح نتائجه، هذا بالاضافة الى ان مسطرة العفو تطرح مسألة عدم مساواة المواطنين امام القانون، فهناك من المستفيدين من العفو من يتمتع بعفو شامل يشمل الجريمة والعقوبة، في حين هناك آخرون يتمتعون فقط بالعفو من العقوبة فقط..
ج - القضاء الدستوري وحدوده (9)في دستور 1996 تحسنت الوضعية النظامية لأعضاء المجلس الدستوري بشكل ملموس يمكن من تعزيز إمكانية استقلالهم، غير أن الملك يلعب دورا مهما في تعيين اعضاء ورئيس المجلس، هذا الاخير الذي يمكن ان يطبعه بطابع محافظ. واذا كانت اختصاصات المجلس واسعة الى حد ما فإن اللجوء إليه يبقى مقيدا، كما ان اجتهاده القضائي يبقى منصتا للفاعل السياسي المهيمن..
دور الملك في تعيين قضاة
ورئيس المجلس الدستوري..

بخلاف رؤساء غرفتي البرلمان فإن الملك يتوفر على ثلاثة امتيازات حاسمة:.
أولا: إنه حر من كل إكراه فيما يخص اختيار الاعضاء الذين يعينهم بخلاف رئيسي الغرفتين…
ثانيا: يعين الملك رئيس المجلس الدستوري الذي يتوفر على سلطات واسعة مقارنة مع باقي الاعضاء. فهو الذي يختار المقررين لدراسة القضايا المحالة على المجلس كما ان رئيس المجلس الدستوري يستشار من طرف الملك قبل إعلان حالة الاستثناء او قبل حل البرلمان. ويعد صوت الرئيس مرجحا عند تساوي الاصوات. وأخيرا فهو الذي يدعو المجلس للانعقاد، ويتحكم في جدول اعمال الاجتماعات. وهو الرئيس الاداري والامر بصرف اعتمادات المجلس..
ثالثا: الملك هو الذي يأخذ المبادرة لتعيين اعضاء المجلس. اما رئيسا الغرفتين فعليهما ان ينتظرا المبادرة الملكية قبل اقتراح الاعضاء. وهكذا فبعد نشر دستور 1992 لم يعين الملك اعضاء المجلس الدستوري الا سنة 1994. وبعد نشر دستور 1996 انتظر الملك حتى سنة 1999 لتعيين الاعضاء…
- حدود إمكانيات اللجوء الى المجلس الدستوري..
رغم تعدد الاشخاص والمؤسسات الذين يمكنهم اللجوء الى المجلس الدستوري، فإن المواطنين خارج المادة الانتخابية لايمكنهم إحالة قضية على المجلس..
والثغرة الكبرى تبقى هي الصعوبة بالنسبة للاقلية البرلمانية للجوء الى المجلس الدستوري بسبب النصاب المطلوب (ربع البرلمانيين) ذلك ان اغلبية برلمانية يمكنها ان تتبنى قانونا يخالف الدستور وذلك دون ان تستطيع المعارضة اللجوء الى المجلس الدستوري بسبب النصاب المطلوب..
اجتهاد قضائي ينصت للسلطة..

ان الاجتهاد القضائي للمجلس الدستوري يستحق الانتقاد بصفة خاصة في المادة الانتخابية. ويمكن مؤاخذة هذا الاجتهاد في النقط التالية:
التعطل الفادح في حسم النزاعات الانتخابية

لا الدستور ولا القانون التنظيمي يلزمان المجلس الدستوري بالبت في أجل محدد. واذا كان الفصل 34 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الدستوري ينص بأنه : »عندما تكون القضية جاهزة يبت فيها المجلس الدستوري بعد الاستماع الى تقرير المقرر داخل أجل 60 يوما فإنه لم يحدد أي أجل للقضية لكي »تكون جاهزة«..
وحسب دراسة نشرت سنة 2005 (10) ، أخذ المجلس الدستوري من سنة الى سنتين ليبت في 77 قضية كما أخذ أكثر من سنتين في 41 قضية. وبالنظر الى مدة الولاية البرلمانية المحددة في خمس سنوات (مجلس النواب) فإن البت بعد سنتين يعد ضارا بالبرلمانيين وبالتوازنات السياسية داخل البرلمان..
عدم القيام بالتحقيقات الضرورية في النزاعات المعروضة عليه

في الاغلبية الساحقة من الحالات التي رفض فيها المجلس الدستوري طلبات الإلغاء لم يعتبر المقرر ولا المجلس الدستوري بأنه من الضروري القيام بتحقيق رغم وجود مؤشرات عديدة وعناصر إثبات تتضمنها الطلبات. وفي الحالات النادرة التي تم فيها التحقيق «يبدو ان القاضي الدستوري يخشى ان يثير تورط بعض الجهات في الانتهاكات (11).» ويتعلق الامر في أغلب الحالات بتورط سلطات تابعة لوزارة الداخلية (العمال ورجال السلطة التابعون لهم)..
حالات غش خطيرة لم تؤد الى إلغاء الانتخاب

برر المجلس الدستوري في بعض الحالات قراراته بعدم إلغاء الانتخاب بالفرق الواسع في عدد أصوات الفائز والطاعن المنهزم وكان يستعمل عبارة جاهزة تقول: «وعلى فرض حصول تدليس فإنه لايؤثر على نتيجة الاقتراع بالنظر للفرق الكبير بين الاصوات التي حصل عليها الطاعن وتلك التي حصل عليه المرشح المعلن عن انتخابه (12)..»
واذا كان يمكن قبول هذا التعليل في حالات غش محدودة يمكن فيها احتساب عدد الاصوات المحصل عليها بطرق غير مشروعة وطرحها للحصول على النتيجة الصافية (بدون غش)، فإن هذا التعليل لايمكن قبوله عندما يكون الغش ذا طبيعة تعد هي نفسها في اصل الفارق الكبير في الاصوات بين المرشحين، وهذا يهم مثلا حالات التسجيل الكثيف والتدليسي في اللوائح الانتخابية والذي يعقبه توزيع تدليسي للبطائق الانتخابية وتصويت متكرر يتم بتواطؤ من اعوان الدولة.

الفصل الثاني
حدود استقلال القضاء

إن فحص هذا الموضوع يكشف ان استقلال القضاء محدود في القانون وفي الواقع،ذلك أن قانون 11 نونبر 1974 بمثابة النظام الاساسي للقضاء تم اتخاذه بظهير ملكي خلال فترة غياب البرلمان أي المرحلة الانتقالية التي تعد عمليا استمرارا لحالة الاستثناء (13).
إن هذا القانون ظل مدة طويلة معززا بقانون 28 شتنبر 1974 ا لمسمى «تدابير انتقالية» (حتى 2003) (14)، والذي قلص بشكل قاس من الضمانات التي كان يمنحها قانون المسطرة الجنائية لسنة 1959.
وإضافة الى ذلك جاء قانون 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي (15) الذي يتعين أخذه بالاعتبار لأنه يؤسس لرقابة رؤساء المحاكم على القضاة العاملين تحت إشرافهم عن طريق التنقيط.
إننا نعتبر المبادئ الاساسية لاستقلال القضاء التي تبنتها الأمم المتحدة سنة 1985 (16)، وكذا المبادئ المتعلقة بدور المدعين العامين وكذا بدور المحامين (1990) كمعايير مرجعية أساسية في هذا التقرير قصد تقييم استقلال القضاء والقضاة.
فقانون 11 نونبر 1974 حول النظام الاساسي للقضاة ينظم الحياة المهنية للقضاة منذ دخولهم سلك القضاء حتى مغادرتهم، كما ان هذا القانون ينظم عددا من جوانب المجلس الاعلى للقضاء. وقد أكملت عددا من مبادرات لوزير العدل القواعد المتعلقة بسير المجلس الاعلى للقضاء في اتجاه تشديد الرقابة عليه (17).
أ التحكم في الحياة المهنية للقضاة
1 التوظيف والتكوين:
إن مراقبة وزارة العدل لكل مسلسل ولوج القضاء والتكوين يؤدي الى وضعية لا يتدخل فيها المجلس الاعلى للقضاء، الغائب عن هذا المسلسل، إلا في النهاية للمصادقة على منتوج جاهز وكامل، مما يخلق القناعة لدى القاضي المبتدئ بأن مخاطبه الرئيسي الذي يتحكم في مصيره هو وزارة العدل، وبأن المجلس الأعلى للقضاء هو سلطة غائبة أو مهمشة لا تظهر إلا في مناسبات شكلية (18).
2 الترقية والتعويض
يتقيد الترقي من رتبة الى أخرى في آن واحد بالأقدمية والنقط التي يحصل عليها القاضي ضمن الشروط المحددة بمرسوم يهيئ وزير العدل ويحصر سنويا لائحة الاهلية المشار إليها بعد استشارة المجلس الاعلى للقضاء. يحدد مرسوم شروط تنقيط القضاة وكيفية تحضير لائحة الاهلية.
وقد أعطت المادة 7 من مرسوم 23 دجنبر 1975 المتعلقة بشروط التنقيط وترقية القضاة لوزير العدل مهمة وضع لائحة المرشحين للترقية بعد استشارة المجلس الاعلى للقضاء. غير ان هذه الاستشارة لا تتم في الواقع إلا بعد أن تكون لائحة الترقية قد تمت.
وتنص المادة 13 من النظام الداخلي للمجلس الاعلى للقضاة (الذي وضعه وزير العدل في أكتوبر 2000( 19) على ان وزير العدل يضع مشروع لائحة المرشحين للترقية كل سنة. ويدرس المجلس الاعلى للقضاء هذه اللائحة. وحتى لو كانت المادة 22 من هذا النظام الداخلي تضع معايير موضوعية للترقية (الاقدمية، الكفاءة، السلوك) فإن تطبيق هذه المعايير يعد في الحقيقة بين أيدي رؤساء المحاكم ووزير العدل، فقانون 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي أعطى لرؤساء المحاكم سلطة تنقيط قضاة الحكم وأعطى لرئيس النيابة العامة سلطة تنقيط قضاتها. وعلى أساس هذه النقطة وتقييمها من طرف وزارة العدل التي تمسك بملفات القضاة يضع وزير العدل بحرية لائحة القضاة المرشحين للترقية.
3 حصانة القضاة ضد التعيينات والتنقيلات التعسفية.
إذا كان الفصل 85 من الدستور المغربي ينص في صيغته الفرنسية:
lesmagistrats du siège sont inamovibles أي لا يمكن نقل قضاة الاحكام،«فإن الصيغة العربية جاء فيها: لا يعزل قضاة الاحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون. وهذه الصيغة أقل حماية من الصيغة الفرنسية لأنها تسمح بالعزل والنقل متى سمح بهما القانون.
والى حدود 1977 كان قانون 11 نونبر 1974 يتضمن مبررات موضوعية. فقد كان فصله 55 ينص على أنه يمكن ان يعين قضاء الاحكام رعيا لتخصص كل واحد منهم في مناصب جديدة بطلب منهم أو على إثر ترقية أو إحداث محكمة أو حذفها. وهذه التعيينات تتم بظهير باقتراح من المجلس الاعلى للقضاء. غير ان تعديلا حصل في 12 يوليوز 1977 أضاف مبررا آخر للنقل ضمن الفصل 55 يتمثل في «تدارك نقصان في عدد القضاة يكون له تأثير خطير على سير محكمة من المحاكم».
ومن جهة أخرى، وطبقا للفصل 57 من نفس القانون يمكن لوزير العدل ان ينتدب بقرار عند الحاجة ولملء فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة قاضيا للقيام بهذه الاعمال لمدة لا تتجاوز 3 أشهر في كل سنة.
وهكذا، فإن التعديل المتبني سنة 1977 يترك لوزير العدل هامشا واسعا لتقدير «النقص في عدد القضاة» بموافقته فإن من الصعب جدا على أي قاض أن يرفض اقتراحا من الوزير في هذا الاتجاه وذلك بالنظر لوسائل الضغط التي يتوفر عليها الوزير. وفي الممارسة فإن الانتداب يدوم أكثر من ثلاثة شهور (20).
ويمكن لوزير العدل ان ينقل قضاة النيابة العامة في أي لحظة وفي اتجاه أي محكمة.
وتستحق وضعية قضاة التحقيق إشارة خاصة. إنهم يعينون من بين قضاة الحكم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار من وزير العدل وبناء على اقتراح من رؤساء المحاكم (ابتدائية أو استئناف). وخلال هذه المدة يمكن إعفاؤهم من هذه المهمة بنفس الطريقة. وهكذا فإن وزير العدل يتدخل على مستوى تعيين قاضي التحقيق أو إنهاء مهمته. وحتى لو كان القانون يمنح لرؤساء المحاكم اقتراح قاض فإن الوزير هو الذي يصادق على الاقتراح أو يرفضه.
والخلاصة ان سلطات وزير العدل، في غياب معايير دقيقة في مجالات التعيين والانتداب والنقل، تشكل وسيلة خطيرة للضغط على القضاة الذين لا تتوفر لهم دوما الشجاعة أو الاقتناع بجدوى اللجوء الى المحاكم الادارية في حالة الشطط في قرارات الوزير.
4 التدابير التأديبية:
طبقا للفصل 87 من الدستور المغربي: «يسهر المجلس الأعلى للقضاء على الضمانات الممنوحة للقضاة في ما يخص ترقيتهم وتأديبهم».
غير ان قانون 11 نونبر 1974 لا يترجم بشكل أمين هذه الضمانة الدستورية. إنه يمنح لوزير العدل سلطات واسعة جدا في مجال التأديب أيضا، سلطات كان من اللازم أن ترجع الى المجلس الاعلى للقضاة طبقا للدستور. إن وزير العدل يتحكم الى حد كبير في المسلسل التأديبي. فهو يقدر ملاءمة المتابعة، ويحدد ما يشكل خطأ جسيما، وهو يعين المقرر، ويقرر اللحظة التي يرسل فيها الملف أمام المجلس الاعلى للقضاء أو يقرر فيها الحفظ. (21) كما ان وزير العدل يمكنه أن يوقف فورا أي قاض عن مهامه ويقرر ما إذا كان يحتفظ بمرتبه أم لا. ويمكن للوزير أن يصدر عقوبات الدرجة الاولى. ويرأس وزير العدل بنفسه المجلس التأديبي الذي ينعقد بمقر الوزارة حيث ان المجلس الاعلى للقضاء لا يتوفر على مقر خاص به. وتسهر وزارة العدل على تنفيذ العقوبات التأديبية.
5 الحصانة ضد المتابعات التعسفية:
على غرار البرلمانيين والوزراء وكبار الموظفين (ضباط الشرطة والعمال إلخ) فإن قانون المسطرة الجنائية المغربي يضع قواعد استثنائية للاختصاص عندما تعزى جريمة لأحد القضاة وذلك قصد وقايتهم في ممارسة مهامهم من الاتهامات أو المتابعات التعسفية أو التي لا أساس لها. فالفصول 265 الى 267 من قانون المسطرة الجنائية تطبق هنا تبعا لدرجة القاضي.
وقد أتاحت قضية قضاة تطوان التي طرأت في غشت 2003 اختبار حدود فعالية هذه الضمانات.
6 تقاعد القضاة
سن التقاعد بالنسبة للقضاة محدد في 60 عاما ويمكن تمديد خدمتهم بظهير ملكي لمدة سنتين قابلة للتجديد مرتين. ويقترح وزير العدل على الملك تمديد الخدمة بعد استشارة المجلس الاعلى للقضاء (مادة 65 من قانون 11 نونبر 1974).
وفي الممارسة فإن بعض القضاة قد مددت خدمتهم بأكثر من سنتين وبعضهم مددت بصفة غير محددة (22). وبسبب الثقافة والعادات السائدة في النظام القضائي المغرب وهو ما يطرح مجددا مسألة عدم تكافؤ الفرص وبالتالي عدم المساواة بين القضاة في الاستفادة من تمديد الخدمة وانعكاس ذلك على نظام التقاعد الذي

المزيد


إجراءات التقاضي أمام المحاكم التجارية في المملكة المغربية

ديسمبر 29th, 2010 كتبها عبدالكريم عزي اسحاق المؤيد نشر في , تطوير القضاء المغربي, مشاريع تطوير القضاء

بقلم : الأستاذ حسن الحضري قاضي بالمحكمة التجارية بالرباط

بعد صدور القانون رقم 53.95 المنفذ بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.97.65 أصبح المغرب يتوفر على ثلاث جهات قضائية :

•    جهة القضاء العادي الذي يتألف من محاكم الجماعات والمقاطعات والمحاكم الابتدائية وهي المحاكم ذات الولاية العامة ؛
•    جهة القضاء الإداري الذي يتألف من المحاكم الإدارية المحدثة بمقتضى القانون رقم 41.90 في 1993.11.3 وهي محاكم عادية مختصة بالبث في المنازعات الإدارية ؛
•    جهة القضاء التجاري الذي يتألف من المحاكم التجارية التي تم إدراجها في إطار التنظيم القضائي للمملكة بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.98.118 بتاريخ 1998.9.22 وهي بدورها محاكم عادية مختصة بالبت في المنازعات التجارية.

وإذا كان عنوان المداخلة التي عرضت علينا قد يفيد بأن المشرع قد حدد للمتقاضين أمام المحاكم التجارية إجراءات خاصة بهم، إلا أن الأمر خلاف ذلك فالقانون المحدث للمحاكم التجارية حدد القواعد العامة للتقاضي أمام هذه المحاكم، وهي قواعد تخص جميع المتقاضين يتعين على الكل احترامها سواء فيما يتعلق بالاختصاص النوعي أو المكاني وكذا قواعد المسطرة أمام هذه المحاكم.

I.    قواعد الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية.

إن الحديث عن إجراءات التقاضي أمام المحاكم التجارية يقتضي بالضرورة تحديد اختصاص هذه المحكمة كما تناولته المادة 5 من قانون 53.95 إذ أن هذه المحاكم باعتبارها محاكم خاصة بالمنازعات التجارية فلا تختص سوى بالمنازعات التي خصها بها المشرع على سبيل الحصر دون غيرها، إذ جاء في المادة أعلاه :

إن المحاكم التجارية تختص بالنظر في :

- الدعاوى المتعلقة بالعقود التجارية ؛
- الدعاوى التي تنشأ بين التجار المتعلقة بأعمالهم التجارية ؛
- الدعاوى المتعلقة بالأوراق التجارية ؛
- النزاعات التي تنشأ بين شركاء في شركة تجارية ؛
- النزاعات المتعلقة بالأصول التجارية.

ومن جهة أخرى فإن المادة 61 من نفس القانون حددت الاختصاص القيمي لهذه المحاكم في مبلغ ,0020.000 درهم.

وبذلك يتبين أن اختصاص المحاكم التجارية ينعقد للبت في النزاعات المتعلقة بالأعمال التجارية الأصلية وبالأعمال الشكلية أو التبعية، أي يتعين للقول باختصاص المحكمة التجارية تحديد طبيعة العمل التجاري موضوع النزاع. وفي هذا الإطار جاء في قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 1999.07.22 في الملف عدد 1182/99/9 "أنه بالرجوع إلى أوراق الملف يتجلى على أن الطرف المستأنف أبرم عقد التأمين بمناسبة العمل الذي يمارسه والذي يتجلى في تجارة مواد البناء.

وحيث أنه إذا كان إبرام عقد التأمين مع المستأنف عليها يشكل في حد ذاته عملا مدنيا، إلا أنه نظرا لصدوره عن التاجر على اعتبار أن المستأنفين يمارسون تجارة مواد البناء وارتباطه بهذا العمل التجاري فإنه يكتسب الصفة التجارية بالتبعية. تطبيقا لقاعدة أن الفرع يتبع الأصل".

ومن جهة أخرى، فإن المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 5 أعلاه، أجاز الاتفاق بين التاجر وغير التاجر على إسناد الاختصاص للمحكمة التجارية فيما ينشأ بينهما من نزاع بسبب عمل من أعمال التاجر. إلا أنه في حالة عدم وجود هذا الاتفاق فإن السؤال الذي يثار هو ما إذا كانت هذه المحاكم لا تختص إلا في حالة وجود هذا الاتفاق أم يجوز للمدعى غير التاجر اللجوء مباشرة إلى المحاكم التجارية بخصوص الأعمال المختلطة.

من خلال العمل القضائي للمحاكم التجارية يتبين أنه لا إشكال في حالة كون المدعى عليه تاجرا لأن الذي يهم هنا هو المركز القانوني للمدعى عليه، إذ يكون للمدعي المدني الخيار بين اللجوء إلى القضاء المدني أو القضاء التجاري لمقاضاة المدعى عليه التاجر. وفي هذا الاتجاه ذهبت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، في القرار الصادر بتاريخ 18-3-1999 تحت عدد 317/99 في الملف عدد 232/99/10 أنه : حتى على فرض أن المستأنف ضده شخص مدني فإن له الخيار في اللجوء إلى محكمة الطاعنة التي لم تنازع في صفتها التجارية بحكم أنها شركة مساهمة تخضع لمقتضيات الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون 95-17 المتعلق بشركات المساهمة………وبما أن الطاعنة تاجرة وقد ارتكبت أفعالا حسب زعم المستأنف ضده بمناسبة نشاطها التجاري فإن الاختصاص يكون منعقدا للمحكمة التجارية".

أما إذا كان المدعى عليه طرفا مدنيا فإن مآل النزاع يرتبط بإرادته، ففي حال قبوله بالمنازعة أمام المحكمة التجارية دون إثارة الدفع بعدم الاختصاص، فإن هذا الرضا ينزل منزلة الاتفاق المنصوص عليه في الفقرة الأخيرة من المادة 5 أعلاه، أما إذا رفض ذلك وأثار الدفع بعدم اختصاص المحكمة التجارية، فإنه في هذه الحالة يتعين التصريح بعدم الاختصاص، وعلى المدعي التاجر اللجوء إلى المحكمة المدنية لمقاضاته وفي هذا الإطار جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 1998.11.5 في الملف عدد 10.98.413 : "حيث أنه بالرجوع إلى العقد المبرم بين الطرفين فإنه يتعلق ببناء فيلا … وأن هذا العقد إذا كان يعتبر عملا تجاريا بالنسبة للمدعية فهو عمل مدني بالنسبة للمدعى عليه خاصة و أن المستأنفة لم تدل بأية حجة تثبت اعتياد المستأنف ضده شراء العقارات قصد تغييرها وإعادة بيعها، مما يعتبر معه العمل مختلطا ينعقد الاختصاص للنظر فيه إلى محكمة المستأنف ضده الذي يعتبر العمل بالنسبة إليه عملا مدنيا".

حالة أخرى فإن النزاع قد يتضمن جانبا مدنيا، إذ يحصل أن يكون النزاع في مجموعه بين تاجرين وبخصوص أعمالهما التجارية إلا أنه يتضمن جانبا مدنيا، المثال على ذلك عقود القرض المبرمة بين تاجرين التي تعرف تدخل طرف مدني باعتباره كفيلا، علما أن عقد الكفالة عقد مدني وبالتالي فإن الضامن قد يثير دفعا بعدم اختصاص المحكمة التجارية بعلة أنه غير تاجر. لهذا تدخل المشرع في المادة 9 من القانون المحدث للمحاكم التجارية ونص على أنه : "تختص المح

المزيد