محكمة النقض الفرنسية
دور محكمة النقض
إنّ محكمة النقض Cour de Cassation هي أعلى محكمة في النظام القضائي الفرنسي.
تخضع القضايا المدنية، التجارية، الاجتماعية أو الجزائية أوّلا لما تحكم به محاكم الدرجة الأولى أو المحاكم الدنيا (المحاكم الابتدائية tribunaux d’instance والمحاكم الابتدائية الكبرى tribunaux de grande instance، المحاكم التجارية والصناعية أو محاكم العمل (مجالس العمل التحكيمية conseils de prud’hommes) الخ.). وفقًا لأهمية النزاع المطروح، يتم إصدار الأحكام من قبل هذه المحاكم، إما، في الحالات القليلة، بالدرجة النهائية، أو في أغلبية الحالات، بالدرجة الأولى. يمكن الطعن بالأحكام الصادرة بالدرجة الاولى، أمام محكمة الاستئناف، حيث يتم إعادة النظر بالحكم من كل نواحيه، أي من حيث الوقائع والقانون معًا. أما الأحكام الصادرة بالدرجة النهائية عن محاكم الدرجة الأولى، أو القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف، فيجوز أن تشكّل موضوع طلب نقض أمام محكمة النقض. بغضّ النظر عن كونها في قمّة الهرم، هناك خاصّتان أخريان تميّز محكمة النقض عن باقي المحاكم. إنها وحيدة : "هناك محكمة نقض واحدة للجمهورية كلّها". ويرِد هذا المبدأ الأساسي في أوّل نصوص قانون نظام القضاء الخاص بمحكمة النقض، لأنّ هذه المحكمة هي الأكثر أهمية؛ لا يمكن فصل هذا المبدأ عن الهدف الرئيسي للمحكمة، ألا وهو توحيد الاجتهاد وضمان أن يكون تفسير النصوص مماثلا في كل أراضي الجمهورية. كون محكمة النقض وحيدة، يمكّنها ذلك من توحيد التفسير، وبالتالي تطوير الاجتهاد الذي يجب أن يكون ذي سلطة، على أن تكون وحدانية المحكمة وعملية توحيدها للتفسير مرتبطتان ببعضهما البعض. ثانيا، ليست محكمة النقض محكمة درجة ثالثة بعد المحاكم الاستئنافية وغيرها من المحاكم. وليس هدفها الأساسي الحكم في الأساس، بل اعلان ما إذا تمّ تطبيق القانون بشكل صحيح بالاستناد إلى الوقائع التي سبق حكمًا تقييمها في القرارات التي يتم مراجعتها بشأنها. لهذا السبب، لا تقوم محكمة النقض، إطلاقًا، بالبتّ بالنزاعات المؤدّية للقرارات المُحالة إليها إنّما بتلك القرارات بحدّ ذاتها. في الواقع، تحكم على قرارات المحاكم الأخرى : فدورها هو البت في ما إذا قامت تلك المحاكم بتطبيق القانون بشكل صحيح على ضوء الوقائع، المحددة من قبلها وحدها، على القضية المرفوعة أمامها على المسائل المطروحة عليها. إنّ هدف كل طلب نقض هو الطعن في قرار قضائي على أن تكون مهمة محكمة النقض اعلان ما إذا تمّ تطبيق القانون بشكل صحيح، أو بشكل غير صحيح، في هذا القرار القضائي.
يتم، في هذه المرحلة، تقرير مصير القضية النهائي، ما يتم نقضه يوضع جانبا، وما عدا في الحالات الاستثنائية، التي لا تخضع فيها القضية لأي مراجعة، لا بدّ أن يتم الاستماع للقضية مرة أخرى على ضوء ما تقضي به محكمة النقض.
إنّ هذه الخصائص، التي تشكل أساس أصالة محكمة النقض وتجعل طلب نقض نقاط قانونية تدبيرًا قضائيّا "استثنائيًّا"، يعود تفسيرها لجذورها التاريخية. وتجد مصدرها في أحداث الثورة الفرنسية. نصّ قانون 27 تشرين الثاني 1790 على تأسيس محكمة النقض التي كانت معروفة بتسمية “Tribunal of Cassation” والتي أصبحت بموجب قرار مجلس الشيوخ senatus-consultum في 28 فلوريال السنة الثانية عشرة (28 أيار 1804) معروفة بتسمية محكمة النقض Court of Cassation. ولكن تاريخ المحكمة يعود لأقدم من ذلك بكثير، إذ بدأت الطريقة التي كانت تتم بها ممارسة العدالة، في ظل النظام القديم في فرنسا Ancien Régime. وبما أن العدالة كانت، آنذاك، حكرًا خاصا، تصدر، كما كان الأمر عليه، عن الملك، كانت الإمكانية الوحيدة لطلب نقض حكم البرلمانات parlements أن يتم النظر بهذا الحكم في المجلس الملكي. وقضت المساهمة الرئيسية للثورة بتكييف هذه المؤسسة، كما لو كانت تفقد علّة وجودها الأصليّة، ناقلةً السلطة التي كانت تعود لرئيس الدولة إلى المحاكم. وعبر التطوّر الذي اختبرته في القرن التاسع عشر، اكتسبت هذه المؤسسة سلطتها المُعترف بها على نطاق واسع الآن.
فضلا عن ذلك، نتيجةً لتلك السلطة القانونية والمعنوية، كلّف المشرّع محكمة النقض بمهام متنوّعة أخرى. ومثالا على لذلك، أدخل عليها الإجراء الاستشاري، الذي يمكّنها، في ظروف معيّنة، من أداء دورها الموحِّد لتفسير القانون ليس بصورة مستأخرة a posteriori ولكن مسبقًا، حتى قبل قرار محاكم الأساس. تمَّ أيضًا، بشكلٍ غير مباشر، تعزيز دور محكمة النقض، أوّلا من خلال إنشاء مؤسسات قضائية متنوّعة مؤلّفة بشكل كامل أو جزئي من أعضاء المحكمة وثانيا بكون أعضاء المحكمة مدعوّين بشكل متزايد للإشتراك في مجموعة من الهيئات ذات التأثير والأهمية المتنامية، حتى ولو كان ذلك خارج صلاحياتهم القضائية تلك.
تنظيم محكمة النقض
ينبع تنظيم محكمة النقض، طبيعيًّا، من كونها محكمة تقضي مهمّتها بالبت في تطبيق القانون. ولكن لا يمكنها أن تعمل بشكل فعال، إلا إذا كان لديها بنية إدارية سليمة.
من حيث القضاء، تتألّف محكمة النقض من غرف توزع عليها طلبات النقض المطلوب من المحكمة النظر بها، على أساس معايير متنوعة محدّدة من قبل قلم المحكمة. تمتّ زيادة عدد الغرف بشكل تدريجي حيث كانت أساسا بعدد ثلاثة (الغرفة المدنية، الغرفة الجنائية، غرفة العرائض Chambre des Requêtes، التي تم إلغاؤها في العام 1947) وأصبح عددها الآن ستة. تمتّ إضافة غرفة تجارية واقتصادية ومالية، وغرفة اجتماعية، وغرفة جزائية إلى الغرف المدنية الثلاثة (أي الغرف الأولى، الثانية والثالثة). ولكل غرفة رئيس. يقوم الرئيس الأول بتخصص مستشارين (conseillers) للغرف، ويختلف عددهم بحسب الأهمية الخاصة بطلبات النقض التي ستقوم الغرف بالبتّ فيها. بالإضافة إلى ذلك، استدعى حجم طلبات النقض الواجب النظر فيها، في كل غرفة، تقسيمًا للأعمال. بالفعل، تمّت قسمة كل غرفة إلى أقسام، التي ضمنها يختلف عدد القضاة بحد ذاته. فهناك دعوى، يتم بتها من قبل ثلاث قضاة عندما يكون طلب النقض غير مقبول أو غير مسند إلى أسسٍ قابلة للدفاع عنه، مما يؤدي إلى الاعلان "بعدم قبوله" (non admis) ، أو أيضًا عندما يبدوحل القضية سهلا. من ناحية أخرى، هناك دعاوى يتم البت بها من قبل هيئة قضاة مؤلفة من خمسة أعضاء على الأقل لهم حق التصويت. عندما يقرر الرئيس ذلك، يجوز أن تتألف الغرفة أيضًا من هيئة قضاة كاملة، إذا ما كان، على سبيل المثال، القرار المطلوب في دعوى ما قد يؤدي إلى تغيير في الاجتهاد أو أنّ الهيئة عليها أن تحكم في دعوى حساسة.
تتضمن محكمة النقض أيضًا، هيئات قضاة مؤقتة مؤلفة إما من أعضاء من كل غرفة (الهيئة العامة (Assemblée plénière)) أو من أعضاء من ثلاث غرف على الأقل (غرفة مختلطة). يرأس الهيئة العامة والغرفة المختلطة الرئيس الأول أو ، في غيابه ، الرئيس الأعلى درجة لغرفة في المحكمة.
تتألف الهيئة العامة من الرئيس الأول ومن كل رؤساء الغرف ومن المستشارين الأعلى درجة للغرف senior chamber justices، يضاف إليهم مستشار من كل غرفة، بحيث يتم تشكيل مجموعة من تسعة عشر عضوًا. يتم اتّخاذ القرار بإحالة قضية ما لمثل هذه الهيئة من قبل الرئيس الأول أو الغرفة التي تمّ تكليفها أصلا بالدعوى. ويمكن ان يحصل ذلك عندما تطرح الدعوى مسألة مبدئية. وتكون الهيئة العامة إلزامية عندما يتم نقض الحكم او القرار وعندما، بعد عودة القضية الى محكمة النقض ثانية، يجب ان يبت القرار الجديد في نفس الدفوع. تكون أيضًا إلزامية عندما يطلب ذلك النائب العام قبل افتتاح المذاكرة. من أهم سمات قرار الهيئة العامة القاضي بنقض قرار صادر عن محاكم الدرجات الدنيا Lower Courts، هو أنه على محاكم الدرجات الدنيا الأدنى هذه أن تلتزم بقرار محكمة النقض حول النقاط القانونية التي سبق للمحكمة أن حكمت بها في نفس القضية .
بالإضافة إلى الرئيس الأول أو من ينوب عنه، تتألف الغرف المختلطة من أربع قضاة من كل من الغرف التي تشكل الغرف المختلطة (رئيس الجلسة، القاضي الأعلى درجة، وقاضيَين آخرَين) بحيث إذا افترضنا أن هناك غرفة مختلطة مؤلفة من قضاة من ثلاث غرف، فيكون مجموع أعضائها ثلاثة عشر عضوا. من الضروري إحالة دعوى إلى غرفة مختلطة عندما تُطرح فيها مسألة تقع عادةً ضمن صلاحيات عدّة غرف، أو عندما تصل هذه الغرف أو من الممكن أن تصل إلى حلول مختلفة. تكون مثل هذه الإحالة إلزامية في حال تساوي الأصوات المنقسمة في الغرفة التي نظرت أولا في طلب النقض، كما هي إلزامية عندما يطلبها المدعي العام Procureur général قبل افتتاح المذاكرة. يرمي الهدف الرئيسي لمثل هذه الهيئة المختلطة من القضاة إلى حل الاختلافات بين الغرف حول الاجتهاد.
يتم تخصيص كاتب واحد أو أكثر لكل غرفة.
هناك عدد من اللجان ذات الطبيعة القضائية مرتبطة بشكل وثيق بمحكمة النقض، بحيث تقوم هذه الأخيرة بتزويدها بالقضاة وبالبنية التحتية الإدارية وبالأماكن الضرورية لأعمالها. على سبيل المثال :
· اللجنة الوطنية للتعويض عن الحبس الاحتياطي (Commission nationale de réparation des détentions) التي تقوم بوظيفة محكمة استئناف ضد قرارات الرؤساء الأول من محاكم الاستئناف في مجال التعويض عن العواقب المضرة للحبس الاحتياطي الصادر بناءً على قرار إعادة سجن المتّهم احتياطيًّا في دعاوى قضائية تم الآن إغلاقها، إذ تم ردّ الدعوى بسبب عدم كفاية الدليل أو لأنه تم إطلاق سراح السجين أو تبرئته؛
· لجنة مراجعة الاحكام الجزائية (Commission de révision des condamnations pénales) التي تنظر في الطلبات من أجل إعادة المحاكمة، مُحيلةً تلك التي تراها مقبولة إلى الغرفة الجزائية في المحكمة،
· لجنة إعادة النظر في قرار جزائي تبعًا لقرار صادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (Commission de réexamen d’une décision pénale consécutif au prononcé d’un arrêt de la Cour européenne des droits de l’homme)، المنشأة بقانون 15 حزيران 2000. تقوم هذه اللجنة بعمليّة غربلة، إذ تؤكّد أن طلبات إعادة المحاكمة مقبولة وصحيحة قبل إحالة الدعاوى إلى محكمة بنفس التسلسل الهرمي وبنفس مستوى تلك التي أصدرت القرار الذي يخالف الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
ويوجد أيضا لدى محكمة النقض مكتب المساعدة (المالية) القضائية (Bureau d’aide juridictionnelle) الذي يضم قضاة، ومحامين، ومسؤولين حكوميين وممثلا عن المتقاضين، بحيث يتم تعيين مديره من قبل الرئيس الأول. يقوم هذا المكتب بتقييم طلبات المساعدة وتغطية أتعاب المحامي المقدّمة من المدعين أو المدعى عليهم في ما يخص طلبات النقض، بما يضمن وصول الجميع بحريّة الى محكمة النقض بغض النظر عن وضعهم المالي.
فيما يتعلّق بالإدارة ، كما سيتبيّن أدناه ، يكون للرئيس الأول لمحكمة النقض، بالنسبة لهيئة القضاة، مسؤولياته الخاصة به، المختلفة عن النائب العام بالنسبة إلى النيابة العامة. لكل منهما مكتب مزود بالقضاة، ويكون الزملاء المباشَرين للرئيس الأول في مكتبه، مؤلفين من مستشار، ومديري علاقات دولية، وموارد بشرية وإدارة واتّصالات. ويكون مكتب الرئيس الأول مسؤولا أيضًا عن دائرة المحكمة الخاصة بالإدارة العامة وبالإدارة المتعلقة بالميزانية كما دائرة الإلكترونيات التي ترعى إدارة وصيانة البرمجيات software ومكونات الحاسب الإلكتروني ووحداته hardware وتؤمن لأعضاء المحكمة المساعدة والتدريب التقنيين.
هناك "مكتب" مؤلّف من الرئيس الأول، ورؤساء الغرف، والنائب العام والمحامي العام الرئيسي يتولّى بعض المهام المعينة. تحدد بالمذاكرة المجالات التي تقع ضمن نطاق اختصاص هذا المكتب بموجب القوانين والمراسيم. ومن بين أمور أخرى، يحدد هذا المكتب عدد ومدة الجلسات ويضع اللائحة الوطنية للخبراء National List of Experts. كما ينصح الرئيس الأول في المسائل الرئيسية المتعلقة بتنظيم وعمل المحكمة.
أخيرًا، على غرار كل المحاكم، يكون لمحكمة النقض قلمًا يغطي كل دوائرها الإدارية. يقوم رئيس القلم الأعلى درجة للمحكمة Senior Registrar بإدارة هذا القلم تحت سلطة الرئيس الأول. ويكون للنيابة العامة مكتبها العام المستقل الخاص بها، المرؤوس من رئيس قلم Chief Registrar.
أعضاء محكمة النقض
لا بد من استنتاج علامة فارقة جوهرية خاصة بشكل أساسي بالنظام القضائي الفرنسي، بين قضاة محكمة النقض والنيابة العامة. فمهمة قضاة محكمة النقض هي أساسًا البت في الدعوى، بينما يقوم قضاة النيابة العامة بالمرافعة في الجلسات، وبهذه الصفة، يكونون مسؤولين عن حماية القانون بضمان تطبيقه المناسب.
أعضاء هيئة القضاة
يتألف قضاة محكمة النقض من الرئيس الأول (premier président)، الرؤساء الأول للغرف، المستشارين (conseillers) والمستشارين المساعدين (conseillers référendaires).
يتولى الرئيس الأول المسؤوليات القضائية والإدارية معًا. هو يرأس اجتماعات الهيئة العامة (Assemblée plénière) والغرف المختلطة للمحكمة. كما يرأس إحدى الغرف عندما يراه مناسبًا، ويضع جدول الطلبات المقدّمة من أحد فرقاء النقض ويجوز له بالتالي تخفيض المهل الزمنية لتقديم المذكّرات. يبت في قبول طلبات الفرقاء بإبراز مستندات لدى محكمة النقض مسجّلة على أنّها مزورة. يفصل في عدم توافر الشروط في طلبات النقض للتخلّف عن تقديم المذكرات ضمن المهل الزمنية أو في عدم قبولها كما في ردها. يحكم في استدعاءات الشطب من الجدول ويبت في القرارات الخاصة بمكتب المساعدة القضائية وفق ما تتم إحالتها إليه. يعين المستشارين (conseillers) والمستشارين المساعدين (conseillers référendaires) وكتّاب الغرفة (greffiers de chambre) لكل من غرف المحكمة الستة. أخيرًا، يرأس المكتب وله السلطة على رئيس قلم المحكمة الأعلى درجة Senior registrar في ما يتعلق بإدارة المحكمة.
إلى جانب مسؤولياته القضائية والإدارية في المحكمة، يقوم الرئيس الأول أيضًا بأنشطة مهمّة جدًّا خارج المحكمة. على سبيل المثال، يرأس : مجلس القضاء الاعلى Conseil supérieur de la magistratureسواء في ما يتعلق بالقضايا التأديبة أم التعيين في ما خصّ أحد قضاة الحكم منذ إصلاح مجلس القضاء الاعلى الذي أقِرّ بموجب قانون 23 تموز 2008، ولجنة ترقية القضاة Commission d’avancement des magistrats ومجلس إدارة المعهد الوطني للقضاء Conseil d’administration de l’Ecole nationale de la magistrature الذي يلعب دورًا رئيسيًّا في تحديد منهاج الدراسة الخاص بالقضاة المستقبليين كما في متابعة الحصص التدريبية للقضاة المعيّنين. بصفته القاضي الأعلى في فرنسا، يعتبر الرئيس الأول شخصية محوريَّة، فيتم الاستماع إلى آرائه من قبل السلطات المختلفة للدولة والذي غالبا ما يمثل القضاء في الاجتماعات الوطنية والدولية. ومن بين الأمور الأخرى، تتم استشارته في مشاريع القوانين والمراسيم التمهيدية المتعلقة ليس فقط بالإجراءات لدى محكمة النقض ولكن أيضًا بالإصلاحات الرّئيسيّة التي تؤثر على النظام القضائي. بسبب استقلالية منصبه، والسلطة التي ينطوي عليها هذا المنصب، تطلب منه السلطات التشريعية أيضًا تعيين شخصيات بارزة لرئاسة هيئات مختلفة أو المشاركة فيها.
منذ بعض السنوات لتاريخه، يقوم الرئيس الأول بعقد اجتماع سنوي لكل الرؤساء الأول للمحاكم الاستئنافية لتبادل الآراء، بحضور ممثّلي الغرف المختلفة من المحكمة ووزارة العدل Chancellerie حول مسائل قانونية جديدة تواجهها المحاكم الدنيا. إنّ هذه الاجتماعات وسيلة قيّمة لتوثيق العلاقات بشكل أكبر على كل مستويات القضاء، بينما تتم في الوقت عينه مساعدة محكمة النقض، التي تواجه تدفّقًا واسعا من الدعاوى، على تحديد أولوياتها القاضية بتأكيد تطبيق القانون على ضوء المسائل التي تُحال إليها.
يرأس رؤساء الغرف، الذين عددهم سبعة، جلسات هيئات القضاة الخاصة بهم. بغيابهم، يقوم المستشار (conseiller) الأقدم رتبة للغرفة برئاسة الجلسة، أو في حال غاب هذا الأخير، فالمستشار الأقدم رتبة الحاضر.
عدد مستشاري المحكمة هو ماية وعشرون، يضاف إليهم خمسة وثلاثون منصبا مخصّصا لتعيين رؤساء المحاكم الاستئنافية الأول ورئيس المحكمة الابتدائية الكبرى في باريس Tribunal de grande instance. يتم تعيينهم بمرسوم من قبل رئيس الجمهورية الفرنسية بناءً على اقتراح مجلس القضاء الأعلى Conseil supérieur de la magistrature. يتم اختيارهم، بشكل رئيسي، من بين أعضاء السلك القضائي، لا بل يتمّ أيضًا مؤخَّرًا تعيين عدد من أساتذة القانون أو المحامين لدى مجلس شورى الدولة Conseil d’Etat ومحكمة النقض. بما أن المستشارين في الخدمة غير العادية conseillers en service extraordinaire، الذين عددهم عشرة، يقومون بالمهام نفسها مثل المستشارين الآخرين، لا بدّ من إضافتهم أيضا إلى المستشارين المذكورين هنا، ويتم تعيين هؤلاء المستشارين لمدة ثماني سنوات غير قابلة للتجديد ، نظرًا لمهارتهم وخبرتهم.
على المستشارين أيضًا أن يقدّموا الخدمات في اللجان المختصة وفي المؤسسات المختلفة، على أن يتم بشكل عام تعيينهم أو اقتراحهم من قبل الرئيس الأول.
في كل غرفة، يضطلع القاضي الأعلى درجة أو العميد doyen بدور إشرافي في كل الدعاوى.
يتم اختيار المستشارين المساعدين (conseillers référendaires)، الذين يبلغ عددهم سبعين، من بين القضاة المزاولين في المحاكم الدنيا، ويتم تعيينهم لمدة لا تتجاوز العشر سنوات. باستثناء الحالات التي يكونون فيها مستشارين مقررين conseillers-rapporteurs، لا يكون لهم مبدئيا حق التصويت في المذاكرات بالرغم من أنه تتم استشارتهم. كما يتوجب عليهم القيام بأبحاث ويكونون مسؤولين عن صياغة خلاصات القرارات بالتعاون مع دائرة التوثيق والدراسات والتقرير.
النيابة العامة Parquet général
تتألف النيابة العامة، التي يرأسها النائب العام Procureur généralيساعده سبعة محامون عامون أوَل، فضلا عن هؤلاء، من ثلاثة وثلاثين محاميا عاما يًضاف إليهم خمسة محامون عامون مساعدون. تناط مهام النيابة العامة بالنائب العام شخصيا. يقوم دور المحامين العامين بشكل رئيسي، على إبداء آراء استشارية تستلزم تحليلا لطلبات النقض في نقطة أو نقاط قانونية وفي بعض الحالات، إبداء الرأي في المسائل الاقتصادية والاجتماعية التي تكون في قلب المشاكل المُثارة أو الحلول المرتقبة. يعين النائب العام Procureur général المحامي العام الأول والمحامين العامين لكل غرفة من الغرف السبعة التي تشكّل محكمة النقض. يجوز له أن يشارك شخصيًّا في جلسات الغرف عندما يرى الأمر ضروريا. عمليا، يكون أعضاء النيابة العامة Parquet général مستقلّين عن وزير العدل Garde des sceauxولا يكون المحامون العامون خاضعين للنائب العام Procureur généralالذي لا يعطيهم التعليمات.
إنّ مسؤوليات، وصلاحيات وسلطة النيابة العامة لدى محكمة النقض محدّدة بشكل تام. تكون النيابة العامة ضرورية بما هي عليه، للعب دور رئيسي في إدارة العدالة، فالمهمة الأولى للنيابة العامة Ministère public لدى محكمة النقض تقضي بتأكيد كون تفسير المحكمة للقانون منتظمًا ويراعي رغبات التشريع، والمصلحة العامة، والسياسة العامة. كما من مهمتها ضمان وحدة الاجتهاد ليس فقط لدى محكمة النقض بل لدى كل المحاكم.
ولهذه الغاية، يتمتع النائب العام Procureur généralبصلاحية مهمة. في الدعاوى المدنية، يجوز له أخذ المبادرة بإحالة قرار قضائي غير مناسب إلى محكمة النقض لإجراء الرقابة "نفعا للقانون". يجوز له أيضًا، عندما يُطلب إليه ذلك، من قبل وزير العدل Garde des sceaux، أن يقدم طلبنقض بإساءة استعمال السلطات لدى محكمة النقض، مُعلما إياها بالأعمال التي تجاوزت فيها المحكمة حدود حسن استعمال سلطاتها أو أساءت استعمالها. في الدعاوى الجزائية، يمكن طلب النقض نفعا للقانون إما بناء على طلب وزير العدل Garde des sceauxوإما بمبادرة من النائب العام Procureur généralالذي يتمتع أيضًا بسلطة طلب إحالة دعوى الى الغرفة المختلطة أو إلى الهيئة العامة.
تشارك النيابة العامة أيضًا بأنشطة اللجان المختلفة المرتبطة بمحكمة النقض وباللجنة التي تبت في طلبات الطعن المقدمة من ضباط الشرطة الجنائية ضدّ حرمانهم المؤقت من وظيفتهم أو سحب صلاحياتهم. وتقدّم النيابة العامة لمحكمة النقض طلبات إعادة المحاكمة، وطلبات إحالة دعوى من محكمة إلى محكمة أخرى عندما يكون هناك شك في عدم التحيّز أو بخطر على النظام العام، وطلبات تعيين المحكمة المختصة requêtes en règlement de juges، وطلبات تعيين هيئة للتحقيق والحكم في الجرائم والجنح التي يرتكبها القضاة وبعض المسؤولين العامين الآخرين.
يمثل النائب العام Procureur Généralالنيابة العامة Ministère publicلدى محكمة عدل الجمهورية Cour de justice de la Républiqueويساعده في هذه المهمة المحامون العامون الأول ومحامون عامون آخرون.
يشارك النائب العام Procureur général في إدارة القضاء وتأمين النظام فيه، وتبعا لذلك، هو عضو في لجنة ترقية القضاة Commission d’avancement des magistratsومجلس إدارة المعهد الوطني للقضاء Conseil d’administration de l’Ecole nationale de la magistrature. ومنذ إصلاح مجلس القضاء الاعلى Conseil supérieur de la Magistrature الذي أقِرّ بموجب قانون 23 تموز 2008، يرأس هيئة مجلس القضاء الأعلى Conseil supérieur de la magistratureالمختصة بالإجراءات التأديبية بحق أعضاء النيابات العامة.
نقابة المحامين لدى محكمة النقض ومجلس شورى الدولة
هناك محامون متخصّصون للتمثيل والدفاع عن المتخاصمين أمام محكمة النقض، حيث يكون هذا التمثيل بالفعل إلزاميا، باستثناء الخلافات المتعلقة بانتخابات (تتعلّق بالحرف والمهن كما الانتخابات السياسية) ضمن اختصاص المحكمة، حيث يُسمح للفرقاء تولّي دفاعهم الخاص. إنّ هؤلاء المحامين الذين يشكلون نقابة وحيدة، هم خلفاء محامي المرافعة المقبولين أمام المجالس الملكية Royal Councils التي ورثوا عنها لقبهم بالمحامين لدى المجالس avocats aux Conseils. إن ميثاق هذه النقابة يعود تاريخه لمرسوم ملكي في العاشر من أيلول 1817، ولا زال نافذًا لتاريخ اليوم، بالرغم من بعض التعديلات الضرورية على مر السنين. يقوم هؤلاء المحامون المتخصصون بوظائف رسمية (offices) ومن هنا نجد عددهم محصورا بستين محامياٍ. غير أنه، هناك مرسوم صادر بتاريخ 15 آذار 1978 يسمح أيضًا للشركات أو للمكاتب المهنية القيام بهكذا وظائف على أن لا يكون لكل شركة أكثر من ثلاثة أعضاء. في الأول من كانون الثاني 2010، كان العدد الإجمالي لهؤلاء المحامين، إن شركاء أو غير ذلك، 97. يخضع الانتساب إلى هذه النقابة لشروط صارمة تتعلق بالأهلية المهنية، تتجلى بالنجاح في اختبار من بعد فترة تدريبية مدتها ثلاث سنوات أو بالخبرة المهنية السابقة لمقدّم الطلب المُحددة بمعايير موضوعية خاصة جدًّا. يتم إصدار تعيين هؤلاء المحامين بقرار من وزير العدل Garde des sceauxمن بعد تقديمهم من قبل المتفرغ الذي يمارس بالتالي الحق باستيفاء من الخلف أو الشريك المقدّم مبلغا تكون قيمته مراقبة من قبل النقابة ووزارة العدل والذي تكون من أجله إمكانيات التمويل متوفرة. تمّ الاعتراف بتأسيس نقابة متخصصة مرتبطة بهذه الطريقة بالمحكمة العليا، من قبل الهيئات الأوروبية كضرورة مبرّرة من أجل خدمة مرفق عام.
يتولى مجلس النقابة النظام الداخلي للنقابة، وهو مؤلّف من رئيس وأحد عشر عضوًا، منتخبين كلهم لثلاث سنوات، ويتم إعادة انتخاب ثلثهم في كل سنة. تقوم المهمة الرئيسية لمجلس النقابة (Conseil de l’Ordre) على وضع القواعد الأخلاقية لأعضاء النقابة (avocats aux conseils). كما يبدي رأيه في إجراءات تتعلّق بالمسؤولية الشخصية ضد المحامين المنتمين لهذه النقابة.
يكون أعضاء هذه النقابة، الذين كموظفين رسميين officiers ministérielsيقومون بوظائف رسمية، معنيين بأعمال المحكمة. إنّ كل مكتب لمزاولة المهنة (cabinet) أمام محكمة النقض يساعد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة القضائية. ويكون البعض من هؤلاء المحامين مرتبطين بمكتب المساعدة القضائية بينما يقوم الآخرين بالنظر بطلب نقض نقطة أو نقاط قانونية في الدعاوى الجزائية، باحثين عن دفاع ممكن بمخالفة القانون (سبب النقض moyen de cassation) خاضع بشكل محتمل للبتّ فيه. وبشكل أعم، تتمثل مهامهم بتأمين أمرين مرتبطين بشكل غير قابل للفصل، وهما مصالح المتنازعين وحسن سير المحكمة.
طلب نقض نقطة أو نقاط قانونية (pourvoi en cassation)
في الدعاوى المدنية، يتم تقديم طلب نقض نقطة أو نقاط قانونية (pourvoi en cassation) بتصريح لقلم محكمة النقض (باستثناء الدعاوى الانتخابية، التي يجوز تقديمها من الفريق نفسه أو من أي ممثل مفوض)[i]. تبلغ المهلة الزمنية "شهرين لتقديم طلب النقض ، ما لم يتم النص على خلاف ذلك"، وتبدأ هذه المهلة من تاريخ تبلّغ القرار موضوع النقض. في المسائل الجزائية، لا بد أن يتمّ التصريح بطلب النقض لكاتب المحكمة التي أصدرت القرار موضوع النقض، بمهلة لا تتخطى الخمسة أيام من إصداره.
يجب أن يتضمن الطلب، الذي يراعي بعض القواعد الشكلية خارج نطاق هذا الشرح العام، من حيث تعريفه، نقض القرار. وهذا الأمر يثير المسألة الثنائية لنوع القرار الذي قد يكون موضوع هكذا طلب والأسباب التي سيتم الاستناد إليها لنقضه.
في الدعاوى المدنية، يكون طلب نقض نقطة
المزيد